![]() |
|||
|
من هو يسوع المسيح "وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى اللهُ ظَهَرَ فِى الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِى الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ" (1تى 3: 16)
فى هذا الوقت من كل عام يحتفل المسيحيين فى كل العالم بمناسبة ميلاد ربنا يسوع، فيستعد كل بيت بهذا الإحتفال بوضع أجمل الزينات داخل بيوتهم، وكذلك إحضار شجرة الميلاد ووضع أجمل الزينات والأنوار عليها، وفى بعض البلاد تكون هذه الزينات فى كل الشوارع وتوضع شجرة الميلاد فى المكان الرئيسى فى المدينة، وتكون الإستعدادات كبيرة وعلى أعلى المستويات بهذا الإحتفال الكبير، كما وتمتد فترة هذا الإحتفال لأيام عديدة يرسلون فيها أجمل كروت المعايدة والهدايا المناسبة لهذا الإحتفال الكبير العظيم .
نعم إن هذا كله جيد جداً فهذه المناسبة تستحق كل هذه الإحتفالات لكن الأجمل والأفضل أن أعرف من هو الذى أحتفل به، فعادة فى أى إحتفال لا يُدعى الإ المقربين وأصدقاء المحتفى به، فالغرباء لا يُدعون فى مثل هذه الإحتفالات المهمة والمناسبات العظيمة، لذلك يجب أن يكون المحتفى به قريب منى جداً، أعرفه وأعرف من هو، فيشاركنى وأشاركه هذا الإحتفال فتكون بيننا شركة مباركة، فأنا لست غريباً عنه بل من أحبائه وأصدقائه، بل فرد فى عائلته الكبيرة التى تضم الكثيرين فى كل أنحاء العالم مع مختلف ألوانهم وأجناسهم وأسمائهم لذلك تقول كلمة الله " فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ" (اف 2: 19)، فهو يعرفهم معرفة شخصية لذلك يدعوهم ليكونوا معه فى شركة مقدسة، ليس فى أوقات معينة بل فى كل وقت وكل يوم وكل لحظة من لحظات الحياة.
فإن كنت تريد أن تعرف معنى هذا الإحتفال العظيم، وأن تشارك فيه مشاركة فعَّالة فعليك معرفة صاحب هذا الإحتفال معرفة شخصية، فهو لا يدعوك مع آخرين لكنه يُقدم لك دعوى شخصية لكى تعرفه.
من هو يسوع؟ كثيرين يطلبون أن يعرفوا من هو يسوع والكتاب المقدس يعطينا أمثلة عن هؤلاء الناس، ومنهم زكا الذى طلب أن يرى يسوع من هو "وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ زَكَّا، وَهُوَ رَئِيسٌ لِلْعَشَّارِينَ وَكَانَ غَنِيًّا، وَطَلَبَ أَنْ يَرَى يَسُوعَ مَنْ هُوَ، وَلَمْ يَقْدِرْ مِنَ الْجَمْعِ، لأَنَّهُ كَانَ قَصِيرَ الْقَامَةِ. لو 19: 2، 3).
نعم إنه سؤال يحتاج إلى كثير من الوقت لكى نستطيع أن نجيب عليه، لكننا هنا بمنتهى البساطة نحاول أن نعطى لمحة بسيطة عن من هو يسوع المسيح:
أولاً: ميلاد يسوع العذراوى: 1. يسوع المسيح هو ليس إبن يوسف: فى سفر أشعياء النبى يوضح لنا من هو يسوع المسيح، عندما طلب الرب من آحاز قائلاً له أطلب لنفسك آية من الرب إلهك، وأكد عليه أن يكون طلبه غير عادى فقال له عمق طلبك أو رفّعه إلى فوق، فكان مستوى هذا الطلب عالياً ... آتياً من فوق، فلم يستطع آحاز أن يطلب وقال لا أطلب ولا أجرب الرب ... فكان الرد من الرب قائلاً "وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»" أشعياء (7: 14).
فالرب يسوع المسيح هو مولود من عذراء لم تعرف رجلاً، فإننا نرى ما جاء فى نبوة أشعياء فى العهد القديم، قد تم فى إنجيل متى فى العهد الجديد "أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (متى 1: 18) .
هكذا كانت ولادة الرب يسوع المسيح، فقد ولد من العذراء مريم وهى مخطوبة ليوسف، فالروح القدس قد حلَّ عليها وقوة العلى قد ظللتها، هكذا قال لها الملاك عندما ظهر لها ليبشرها بميلاد الرب يسوع، كانت مريم متعجبة لهذا الكلام "فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ:«كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟» . فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ (لو1: 34، 35).
وأما يوسف فلم يكن له دور فى هذه الولادة، فقد أعلن له الملاك هو الآخر بأن الذى حبل به فيها هو من الروح القدس، فما كان من يوسف إلا أنه قد أطاع هذه الرسالة التى جاءته من الرب عن طريق الملاك وفعل ما أراده الرب منه "وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ" (مت 1: 25) .
2. يسوع المسيح هو إبن الله الوحيد: قلنا أن يسوع المسيح هو ليس إبن يوسف، لكنه كما جاء فى الكتاب المقدس أنه هو إبن الله الوحيد، لذلك تكلم عنه إنجيل يوحنا قائلاً "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يوحنا 1: 14) . فالكلمة إسم من أسماء الرب يسوع له كل المجد، لذلك بدأ إنجيل يوحنا الحبيب بهذه الكلمات الرائعة إذ قال "فِى الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ (يوحنا 1: 1)، فالكلمة هنا هو الأقنوم الثانى من اللاهوت، وكلمة أقنوم هنا تعنى الشخصية المتميزة المتحدة، وهذا الكلمة حل بيننا أى جاء بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملؤاً نعمة وحقاً .
كما أن يوحنا يذكر أيضاً فى إنجيله هذه الكلمات العظيمة التى تُعلن عن محبة الله للجنس البشرى بلا إستثناء، فالله يحب الجميع ... كل العالم الذى خلقه الله لكى يعبده بالروح والحق، فيقول يوحنا "أَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16)، وهذا هو إعلان من الله بان هذا الإبن الوحيد هو الذى سيموت لكى عطى حياة أبدية لكل من يؤمن به، أما كل من لا يؤمن به سيهلك .
ويتابع الرسول يوحنا رسول المحبة هذا الإعلان الإلهى العجيب عن محبة الله العظيمة الفائقة كل وصف التى جعلته يبادلنا هذا الحب، بل يبدأ هذا الحب فيحبنا أولاً، وهذه المحبة أظهرها لنا فى شخص إبنه يسوع المسيح الذى مات لأجل الجميع لكى يحيا الجميع، لذلك يقول "بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ" (1يو 14: 9) .
ياله من إعلان عجيب أننا نعرف من هو يسوع المسيح، نعم إنه إبن الله الوحيد الذى جاء وولد فى عالمنا هذا وبذل نفسه لأجل الجميع لى يفدى الجميع .
ثانياً: ناسوت المسيح ظهر فى التجسد لقد لخَّص بولس الرسول حياة الرب يسوع بهذه الكلمات الرائعة "وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِى الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِى الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ" (1تى 3: 16) . إن هذا التجسد لم يختلف عليه أى مسيحى مؤمن حقيقى، فهو بالإجماع أى بإتفاق وبإجماع كل المسيحيين المؤمنين فى كل مكان من بقاع الأرض من مشارقها ومغاربها، فالجميع يعترف أن المسيح هو الله الظاهر فى جسد إنسان، فلقد وُلد من العذراء كإنسان كامل أى كما تقول كلمة الله صائراً فى شبه الناس فهذا ما أعلنه أشعياء النبى وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»" (أش 7: 14)، "أَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (أش 9: 6)، "وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ" فى كل هذه الشواهد الكتابية فى العهد القديم توضح لنا هذا التجسد الإلهى العظيم، العذراء تحبل وتلد إبناً وتدعو إسمه عمانؤئيل، وعمانوئيل معناه أن الله معنا، فيسوع هو الله الذى ظهر فى الجسد .
الله سبق فوعد فى الكتب عن طريق أنبيائه عن هذا التجسد، لذلك يذكر بولس الرسول فى رسالته إلى رومية أن هذه المواعيد كانت عن الرب يسوع، فيقول "عَنِ ابْنِهِ. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ" (رومية 1: 3)، فهو جاء من نسل داود حسب الجسد، وهذا ما نجده أيضاَ فى إنجيل متى فى سدره لسلسلة النسب الذى جاء منها يسوع المسيح بأن المسيح قد جاء من نسل داود حسب الجسد .
لذلك فكل مسيحى مؤمن حقيقى يؤمن بأن المسيح هو الله الظاهر فى الجسد، وكل من لا يؤمن بأن المسيح قد أتى فى الجسد، فهو شخص غير مسيحى حقيقى، وليس هذا فقط بل هو شخص بعيد عن الإيمان بل أيضاً هو شخص مضل، وهذا ما قاله يوحنا الرسول فى رسالته الأولى "بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ" (1يو2:4)، وكذلك فى رسالته الثانية قائلاً "أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى الْعَالَمِ مُضِلُّونَ كَثِيرُونَ، لاَ يَعْتَرِفُونَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ آتِيًا فِي الْجَسَدِ. هذَا هُوَ الْمُضِلُّ، وَالضِّدُّ لِلْمَسِيحِ" (2يو7:1)، قال هذه الكلمات لأنه قد ظهر أناس ينكرون أن المسيح الذى هو الله قد جاء فى الجسد، لذلك أراد يوحنا الذى كان تلميذاً من أقرب التلاميذ ليسوع، والذى كان يتكئ على صدره، والذى كان الرب يسوع يأخذه هو وإثنين آخرين معه إلى المقدمة وفى المشاهد الرائعة، فلقد كان معه على جبل التجلى حيث رأى لمحة من مجده سمع الصوت الآتى من السماء "وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً:«هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا»" (مت 17: 5) . لذلك إن أردت أن تحتفل بمناسبة ميلاد الرب يسوع المسيح، فعليك أن تؤمن إيماناً قلبياً بأن المسيح الذى ولد من العذراء هو إبن الله وهو الله الظاهر فى الجسد، فيكون إحتفالك له مناسبة سعيدة إذ أنه يكون قد وُلد فى قلبك فُولدت أنت الولادة الجديدة وكتب لك تاريخ ميلاد جديد فى سفر الحياة. أمين
الأسقف/ سمير شحاته رزق رئيس مجمع كنائس النعمة الرسولية بجمهورية مصر العربية
|
|||
|
cogopeg@cogopeg.com |
|
||
|
|
|||