Home
 


 
فـــرح الملائكـــة

 "وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين"
                                                                (لو 2: 13)

 

        مرة أخرى تأتى ذكرى عيد الميلاد المجيد وترتفع الأنوار والزينات فى البيوت والمحلات، وتعلو الوجوه الإبتسامات، وكل منا يحىِّ أخاه بفرح وبهجة وسعادة غامرة بهذه الذكرى الجميلة التى لا يمكن أن تنسى من الذكريات، فهذه الذكرى هى حدث فريد غير مجرى التاريخ فكيف يمحى من الذكريات .

        كل واحد يحكى أجمل الحكايت مما جاء فى الأناجيل عن فرح السماء والملائكة فى مثل هذه الأوقات، ومنهم من يحكى عن مولد الرب فى قلبه فأنار له الظلام، وحل فى قلبه السرور والسلام .

        ربما يقول البعض أن يوم الميلاد والإحتفالات هى من صنع الإنسان، وربما لا يحتفل البعض بهذه المناسبة، لكننى أرى أنها فعلاً تسبب فرحة غامرة عندما نتذكر أن الرب قد جاء الى هذا العالم فى شهر قد تحدد ويوم قد تحدد من قبل الله لكى يبدأ رحلة الخلاص لعالم ميت . إنه ليس بالمهم ما هو اليوم لكن المهم هو الحدث فى حد ذاته لكى نختار الإحتفال بذكرى الميلاد وما يعنى هذا للجنس البشرى .

        لذلك نرى أن الإحتفال الأول كان قد رتبته السماء عندما ظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين " المجد لله في الاعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة " (لو 2: 14). وكان ذلك مستغرب جداَ على هؤلاء الرعاة الذين كانوا يسمعون هذه الترنيمة الملائكية وهذه البشارة بالفرح العظيم لولادة المخلص الذى جاء إلى هذا العالم، فلقد كان من النادر جداً أن يسمع الناس ترنيم وفرح الملائكة، فيالها من مناسبة تستحق الفرح والتهليل وإن كان ذلك قد بدر من الملائكة فكم وكم الإنسان الذى من أجله قد جاء هذا المخلص العظيم!!!!

        وهنا أود أن أتحدث معكم عن مناسبات ثلاث قد فح فيها ملائكة السماء وهى:

أولاً: فى صباح الخليقة: "عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بنى الله" (أى 38: 7) . وهنا نرى أنه عندما رأت الملائكة أن عالماً آخر قد خلقه الله قد إنضم إلى أعمال الله العجيبة التى عملها، إجتمعت لتترنم فى جوقة كبيرة وبهتاف عظيم، ولم لا وهى ترى أن الله يضيف إلى أعماله عملاً عظيماً إذ كان كل شئ حسن فى عينى الله، وعندما عمل الإنسان يقول الكتاب المقدس "ورأى الله كل ما عمله فاذا هو حسن جدا. وكان مساء وكان صباح يوما سادسا" (تك1: 31) .

        ياله من عمل عظيم جعل ملائكة السماء تنظر إلى أعمال فتفرح وتهتف وتترنم بأعمال الله، لقد إجتمعوا فى تسبيح وحمد لهذا العمل المجيد الذى فيه تم خلق عالم جديد . لقد رأوا أن هذا الحدث يستحق إكرام الله، إنه إعلان جديد لقوة الله، إنه توسيع لمملكة الله، كما أن هذا يشير إلى عظمة وحكمة الخالق الذى خلق هذا العالم.

عندما خُلِق هذا العالم كانت هناك مناسبة عظيمة للترنيم والتسبيح فى وسط الملائكة، ياله من عالم جميل، فالكل كان نقى ومحب ومقدس، الإنسان خلق على صورة الهه، وكان كل شئ يمتلئ بالحب، كل شئ فى الأرض له مسحة من الجمال، والعالم ينمو تحت يد الله القوية، فوديانه ومرتفعاته وأشجاره وأزهاره وحيواناته تجعل هنالك مناسبة فى السماء  للترنيم والفرح.

هل كانت الملائكة تتوقع ماذا سيحدث لهذا العالم؟ هذا العالم الذى إفتُدى بالحب، هذا هو العالم حيث إبن الله جاء إليه آخذا صورة جسد ومات لأجل الخطاة، هذا هو العالم الذى إستقبل رب المجد لكى يفتديه فيقدم الحمد لله بترنيمة لم يعرفها الملائكة وهى ترنمية الفداء، ترنيمة جميلة تخرج من شفتى هؤلاء الذين إفتدوا من الموت بعمل هذا الفداء العظيم .

ثانياً: فى مجئ المسيح:  "وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين" (لو 2: 13) . إنه لأعلان مجيد أن يظهر جمهور من الجند السماوى معلنين عن المجد لله فى الأعالى ويعلنون السلام الذى جاء إلى العالم والمسرة التى تغمر العالم بهذا الميلاد العظيم، ميلاد الرب يسوع المسيح الذى جاء إلى هذا العالم، يالها من لحظة سعيدة لحظة إعلان هذا النبأ التى رفع فيها جند السماء تسبيحات هم وهتافاتهم، وكانت الرسالة التى جاء بها الملائكة هى بمثابة إعلان رائع يقول "وبالإجماع عظيم هو سرّ التقوى الله ظهر فى الجسد تبرر فى الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به فى العالم رفع فى المجد (1تي 3: 16).

        لقد الملاك من السماء يقدم البشارة للرعاة، يبشرهم بفرح عظيم ليس هم فقط بل لجميع الشعب، هذا الفرح لا يستثنى منه أحد بل هو للجميع، لمن يريد يفرح فها هو الفرح قد جاء اليه، إنه غير محتاج أن يذهب ليجلب الفرح لنفسه من أى مكان، بل معطى الفرح قد جاء إلى هذا العالم، ثم قال لهم "أنه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب" (لو 2: 11) . هذا هو مصدر الفرح الحقيقى، أنه قد جاء مخلص هو المسيح الرب الذى يستطيع أن يخلص كل إنسان يؤمن به .

        فما قد حصل عليه الجنس البشرى فى ذلك اليوم هو ميلاد المخلص، لقد أعطى الله هذا الإعلان للملائكة ليكونوا على فهم وثقة بأن الله أن يكون فى علاقة مع الإنسان، إن مجد الله معلن فى علاقته مع الإنسان، لذلك قال .. وُلِد لكم اليوم ..

        الخطية لا تمجد الله، فهى قد إنتجت صراعا بين الإنسان والله بدلا من الإنسجام الكامل بينهما، الإنسان كان على صورة الله، لكن بعد سقوط الإنسان الأول أنجب نسلاً على صورته، لقد كان نسلاً ساقطاً، لكن أخيراً وفى الإنسان الثانى يسوع المسيح ... تمجد الله!!

        الا يحق أن تفرح الملائكة ونفرح نحن بمولد هذا المخلص الذى به نستطيع أن نمجد الله!!

ثالثأً: فى توبة الخطاة: "هكذا أقول لكم يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب" (لو 15: 10) .

        ياله من فرح عظيم يغمر الخاطئ عندما يتوب، كما أن الكنيسة تفرح فرحاً حقيقياً بتوبة كل خاطئ، وفى بعض الأحيان يفرح بعض أفراد أسرة الخاطئ عندما يعلمون بتوبة إبنهم، وأقول البعض لأن كثيرين لا يهمهم الأمر فهم مشغولون بأمور أخرى أرضية زمنية، لكن كم يكون الفرح عظيماً فى السماء، فكل ملائكة الله يكون لهم فرح بتوبة هذا الخاطئ الذى رجع من طرقه الردية، لأنهم يعرفون يقيناً كما كلَّف هذا رب المجد يسوع الذى جاء الى هذا العالم، ورفع على صليب الجلجثة، وسفك دمه الغالى الثمين لكى يشترى هذا الخاطئ البعيد، فيالها من فرحة تغمر ملائكة الله فى السماء بهذا الحدث السعيد .

        خاطئ واحد له قيمة عظمى فى نظر السماء، نعم لقد جاء الرب لكى يطلب ويخلص ما قد هلك، وعندما يتوب الخاطئ فهو يحقق غرض الله الذى بذل إبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية . هذا هو غرض الله أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، كل خاطئ يتوب يفكر كثيراً فيما قد فعله من أجله الرب يسوع المسيح، الذى من أجله دفع ثمن الخطية على صليب الجلجثة، مات نيابة عن كل خاطئ لكى ما يقدم له الحياة الأبدية .

        إن الخطية قد أفقدت الإنسان فرحه فصار يفتش عن الفرح وينشده فى كل مكان، لكن لا يمكن أن يحصل على الفرح الحقيقى الإ بروجعه مرة أخرى إلى الله لكى يحصل على الفرح والسلام . لقد لجأ الإبن الضال إلى كل الوسائل وكل الطرق لكى يغمر حياته فى الملذات ظاناً أن هذا يجلب الفرح فلم يحص الإ على التعاسة والجوع والعرى والندم والمذلة والضياع، لكن عندما رجع إلى إبيه صار فرح فى قلبه وفى بيت أبيه الذى قال "وقدّموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح لان ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد.فابتدأوا يفرحون" (لو 15: 23) . وهذا الراعى الذى وجد خروفه الضال فدعى كل أصدقائه وجيرانه ليفرحوا معه لأنه وجد خروفه الضال، وهذه الإمرأة التى وجدت الدرهم المفقود فدعت صديقاتها وجاراتها قائلة لهن إفرحن معى لأنى وجدت درهمى المفقود .. هذا هو الفرح الحقيقى بوجود الضائع المفقود .

        لقد فرح التلاميذ يوماً عندما رجعوا من هذه الإرسالية التى أرسلهم إليها وقالوا له حتى الشياطين تخضع لنا، فرد عليهم قائلاً "ولكن لا تفرحوا بهذا أن الارواح تخضع لكم بل إفرحوا بالحرى أن أسماءكم كتبت فى السموات" (لو 10: 20) .

      أيها القارئ العزيز ألا تفرح الفرح الحقيقى فى هذه الذكرى المجيدة ذكرى عيد الميلاد المجيد ، فيكتب إسمك فى السموات وتكون لك الفرحة الحقيقية، فيكون هذا يوم مولدك الجديد !!!

                  كل عام وأنتم بخير وفرح وسلام ...

                                                        الأسقف / سمير شحاته رزق

 

 

cogopeg@cogopeg.com